سيد محمد طنطاوي

132

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقُّ . . ) * يعود إلى ما تقدم ذكره من إيلاج الليل في النهار ، وتسخير الشمس والقمر . وهو مبتدأ . وقوله * ( بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقُّ ) * خبره . والباء للسببية . أي : ذلك الذي فعلناه سببه ، أن اللَّه - تعالى - هو الإله الحق ، الذي لا إله سواه ، وأن ما يدعون من دونه من آلهة أخرى هو * ( الْباطِلُ ) * الذي لا يصح أن يسمى بهذا الاسم ، لأنه مخلوق زائل متغير ، لا يضر ولا ينفع . ثم ذكر - سبحانه - الناس بنعمة أخرى من نعمه التي لا تحصى فقال : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّه لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِه . . ) * . أي : ولقد علمت - أيضا - وشاهدت - أيها العاقل - حال السفن ، وهي تجرى في البحر ، بمشيئة اللَّه وقدرته ، وبلطفه ورحمته وإحسانه . ليطلعكم على بعض آياته الدالة على باهر قدرته ، وسمو حكمته وسابغ نعمته . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) * الذي شاهدتموه وانتفعتم به من السفن وغيرها * ( لآياتٍ ) * واضحات على قدرة اللَّه - تعالى - ورحمته لعباده * ( لِكُلِّ صَبَّارٍ ) * أي : لكل إنسان كثير الصبر * ( شَكُورٍ ) * . أي : كثير الشكر للَّه - تعالى - على نعمه ورحمته . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس عندما تحيط بهم المصائب وهم في وسط البحر فقال : * ( وإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ ) * . وقوله * ( غَشِيَهُمْ ) * من الغشاء بمعنى : الغطاء . فيقال : غشى الظلام المكان ، إذا حل به وأصل « الموج » الحركة والازدحام . ومنه قولهم : ماج البحر إذا اضطرب وارتفع ماؤه . والظلل : جمع ظلة - كغرفة وغرف - ، وهي ما أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما . أي : وإذا ما ركب الناس في السفن ، وأحاطت بهم الأمواج من كل جانب ، وأوشكت أن تعلوهم وتغطيهم . . . في تلك الحالة لجئوا إلى اللَّه - تعالى - وحده ، يدعونه بإخلاص وطاعة وتضرع ، أن ينجيهم مما هم فيه من بلاء . . * ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ ) * - سبحانه - بفضله وإحسانه ، وأوصلهم * ( إِلَى الْبَرِّ ) * انقسموا إلى قسمين ، أما القسم الأول ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : * ( فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) * أي : فمنهم من هو مقتصد ، أي : متوسط في عبادته وطاعته ، يعيش حياته بين الخوف والرجاء . قال ابن كثير : قال ابن زيد : هو المتوسط في العمل ، ثم قال ابن كثير : وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله - تعالى - : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ فالمقتصد هاهنا هو المتوسط في العمل . ويحتمل أن يكون مرادا هنا - أيضا - ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك